قصة طريقين – باولو كويليو
ديسمبر 24th, 2008 بواسطةربيع
قصة رائعة تتقطر منها الحكمة . ناقشها باولو في سطور إضافية ……
اقتطعت جزء القصة منها لأنشره في مدونتي ….
أعجبني قول الآب جونز : للتغلب على المعوقات, وللمشاركة في تحسين الوضع العالمي, نحتاج
إلى قوانا الخفية: الحب – الموت – السلطة – والزمن.
إليكم القصة :
قبل قرون من امتلاء وسائل الإعلام بأخبار عما يسمى (تأثيرات العولمة), حكى الشيخ (قالندار
شاه) القصة التالية في كتابه (أسرار الوحدة).
في شرق (أرمينيا) كانت هناك قرية صغيرة تقع بين طريقين متوازيين, تُعرفان بالطريق الجنوبية
والطريق الشمالية.
وذات يوم وفد إلى القرية مسافر قادم من مكان بعيد, جاء سائراً عبر الطريق الجنوبية, وقرر زيارة
الطريق الثانية أيضاً. ولاحظ التجار المحليون امتلاء عينيه بالدموع.
وقال الجزار لتاجر الملابس (لابد أن شخصاً ما قد لقي حتفه على الطريق الجنوبية. انظر كيف
يبكي هذا المسافر المسكين بعد أن مر بها).
والتقطت أذنا أحد الأطفال تلك الملحوظة, ولأنه يعرف أن الموت شيء سيئ للغاية, بدأ البكاء
الهستيري. وفي الحال بكى جميع الأطفال بالشارع.
وانزعج المسافر, وقرر الرحيل على الفور. وألقى من يديه ثمار البصل التي كان يقشرها ليأكلها
وهي سبب امتلاء عينيه بالدموع, ثم اختفى.
وبعد برهة, شعرت الأمهات بالقلق لبكاء أطفالهن, فأسرعن لمعرفة ما يحدث, وسرعان ما اكتشفن
أن الجزار وتاجر الملابس ثم غيرهما من التجار قد انشغلوا بأمر المأساة التي وقعت على الطريق
الجنوبية.
وسرعان ما انتشرت الشائعات. ولأن عدد سكان القرية محدود للغاية, عرف جميع القاطنين بالقرب
من الطريقين أن شيئاً خطيراً قد حدث. وبدأ الكبار يشعرون بالخوف من حدوث الأسوأ, متوقعين
الانكشاف التدريجي لأبعاد المأساة, وفضلوا عدم طرح أية أسئلة حتى لا يزيدوا الوضع سوءاً.
وكان هناك رجل أعمى يعيش عند الطريق الجنوبية ويجهل ما يحدث, ولذلك سأل: ما سبب كل هذا
الحزن في مكان كان سعيداً دائماً.
فأجابه أحد السكان: هناك شيء فظيع حدث بالطريق الشمالية, فالأطفال يبكون, والرجال متجهمون,
والأمهات ينادين أطفالهن ليعودوا إلى البيوت, والزائر الوحيد لهذه المدينة منذ سنوات عديدة, غادر
وعيناه ممتلئتان بالدموع. ربما ضرب الطاعون الطريق الأخرى.
ولم يمر وقت طويل حتى انتشرت شائعة وجود مرض قاتل – لم يكن معروفاً من قبل – في القرية
آلها. ولأن البكاء بدأ مع مجيء مسافر إلى الطريق الجنوبية, أصبح واضحاً بالنسبة لسكان الطريق
الشمالي أن الطاعون لابد ظهر هناك. وقبل مجيء الليل, ترك السكان منازلهم إلى الجبال في
الشرق.
واليوم – بعد قرون – مازالت القرية التي مر بها المسافر وهو يقشر البصل, مهجورة.
وغير بعيد عنها, ظهرت قريتان أخريان تدعوان (الطريق الشرقية) و(الطريق الغربية). وما زال
السكان, من ذرية سكان القرية الأولى, لم يتحدثون إلى بعضهم البعض لأن الزمن والخرافة وضعا
حاجزاً من الخوف بينهم.. فلقد استقر بداخلهم أنه إذا ما حاولوا إعادة الصلات, فسيواجه مجتمعهم
خطراً هائلاً.
ويعلق الشيخ (قالندار شاه): لا يعتمد كل شيء في العالم على الأشياء ذاتها, بل على علاقتنا بها.
وعندما ننظر إلى عالم اليوم, نستطيع إدراك كم ما زالت كاشفة. ففي نهاية تسعينيات القرن
الماضي, لابد أن مسافرنا قد انفجر بالضحك بينما كان يمر بإحدى الطرقات الكبرى للقرية الكونية.
فبينما اختفى الاقتصاد القديم, برزت الأسواق المالية, سقطت الجدران, انخفضت معدلات الفائدة,
وتراجعت القيم الإنسانية إلى ما كانت عليه في نهاية القرن التاسع عشر, ووصلت الحكومات
المحافظة إلى السلطة. وبدا كل شيء في حالة من التناغم المثالي. وكل ما كان مفتقداً, شيء تحتاجه
كل حضارة لكي تستمر.. عدو.
وكان من الصعب جداً التورط في حروب جديدة, وهكذا لم يكن ممكناً اعتبار الإبادة في (رواندا) أو
الحرب الأهلية في يوغوسلافيا.. ذلك العدو.
وهكذا, وبنهاية القرن الماضي, كان الشرير الأعظم هو السيجارة. نعم, صدق أو لا تصدق, منذ
وقت قريب كان التهديد الأعظم للعالم الحديث, تلك اللفافة الورقية الصغيرة المحشوة بالأوراق
الجافة, بطرف مشتعل, وآخر غير مشتعل.
وقبيل الهجمات الإرهابية كان هناك مسافر آخر يطوف بالقرية الكونية وهو يأكل البصل. وعادت
الحرب العادلة إلى أوروبا ومعها ما ألحقته من دمار هائل, وكان ذلك في (بلجراد).
وبدأت أسواق المال تنهار, واتجه المحللون, الذين سبق ونصحونا بشراء الأسهم, إلى توقع انهيار لا
يمكن تجنبه. وبدأ الناس يشعرون بالقلق على استثماراتهم وتقاعدهم وما القرارات التي يجب عليهم
اتخاذها.
أما الخطر الحقيقي فظهر في صباح الحادي عشر من سبتمبر لعام 2001 , وبدت الإنسانية على
شفا انهيار عصبي, ففي تلك اللحظة حدث شقاق كبير بين سكان (الطريق الشمالية) – ويعرفون
كذلك بالمسيحية اليهودية – وبين سكان (الطريق الجنوبية) – ويعرفون كذلك بالإسلام.
ورفضت ذلك الصحف كلها, وكذلك خرجت البرامج التليفزيونية لتقول: (لا شيء تغير), وتقابل
رجال الدين من كلا الطرفين في مؤتمرات دولية وعاملوا بعضهم البعض بتسامح واحترام, أما في
الحياة الواقعية, فإذا كان جارنا مسيحياً أو يهودياً (في الطريق الجنوبية) أو كان الجار يذهب إلى
المسجد ويطلب من زوجته ارتداء الحجاب (في الطريق الشمالية), فمن الأفضل أن نتابعه بحرص
لأن شيئاً فظيعاً قد يحدث في أي لحظة.












أحببت قصتك، ونالت فيّ نصيب من الإعجاب. لم أحب باولو كويلهو فيما سبق، لأنه يكتب بروحانية، يفترض معها أن كل من يقرؤه يتمتع بها، فلا يهيؤك لها ولا يستدرجك إليها، بل يبدأ بنسج أفكاره بثقة أنك ستهضمها بنفسك. قد لا يوافقني الرأي كثيرون، ولكنه يبقى رأيي أنا، وتجربتي. أحببت له الخيميائي، وبعدها نفرني في أكثر من حديث وزاوية، لكن هذه المرة في هذه القصة، أعترف بأني أعجبت بالمقاربة التي وظفها بنجاح، ربما.
ولك التحية.